عبد الوهاب الشعراني
16
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
والحديث مفهوم بحسب الناس وتفاوتهم في الفهم فمن المفهوم ما جلب له الآية والحديث ودلت عليه في عرف اللسان وثم أفهام أخرى باطنة تفهم عند الآية أو الحديث لمن فتح اللّه تعالى عليه إذ قد ورد في الحديث النبوي أن لكل آية ظاهرا وباطنا وحدا ومطلعا إلى سبعة أبطن وإلى سبعين ، فالظاهر هو المعارف الإلهية والمطلع هو معنى يتحد فيه الظاهر والباطن والحد فيكون طريقا إلى الشهود الكلي الذاتي فافهم يا أخي ولا يصدنك عن تلقي هذه المعاني الغريبة عن فهوم العلوم من هذه الطائفة الشريفة . قول ذي جدل ومعارضة إن هذا إحالة لكلام اللّه تعالى وكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه ليس ذلك بإحالة وإنما يكون إحالة ، لو قالوا لا معنى للآية الشريفة أو الحديث إلا هذا الذي قلناه وهم لم يقولوا ذلك بل يقرون الظواهر على ظواهرها ، مرادا بها موضوعاتها ، ويفهمون عن اللّه تعالى في نفوسهم ما يفهمهم بفضله ، ويفتحه على قلوبهم برحمته ومنته . ومعنى الفتح في كلام هؤلاء القوم حيث أطلقوه كشف حجاب النفس أو القلب أو الروح أو السر لما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الكتاب العزيز والأحاديث الشريفة إذ الولي قط لا يأتي بشرع جديد وإنما يأتي بالفهم الجديد في الكتاب والسنة الذي لم يكن يعرف لأحد قبله ولذلك يستغفر به كل الاستغراب من لا إيمان له بأهل الطريق ويقول هذا لم يقله أحد ، على وجه الذم ، وكان الأولى أخذه منه على وجه الاعتقاد واستفادته من قائله ومن كان شأنه الإنكار لا ينتفع بأحد من أولياء عصره وكفي بذلك خسرانا مبينا وربما يفهم المعترض من اللفظ ضد ما قصده لافظه كما وقع لشخص من علماء بغداد أنه خرج يوما إلى الجامع فسمع شخصا من شربة الخمر ينشد : إذا العشرون من شعبان ولت * فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار * فإن الوقت ضاق على الصغار فخرج هائما على وجهه للبراري إلى مكة فلم يزل على ذلك الحال إلى أن مات ، فما منع من سماع الأشعار والتغزلات إلا المحجوب الذي لم يفتح اللّه تعالى على عين فهم قلبه إذ لو فتح اللّه تعالى على عين فهم قلبه لنظر بصفاء الهمة وسمع بثاقب الفهم ونور المعرفة وأخذ الإشارة من معاني الغيب واتبع أحسن القول بحسب ما سبق إلى سره قال